ابن عطية الأندلسي

41

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

باب ما قيل في الكلام في تفسير القرآن ، والجرأة عليه ، ومراتب المفسرين روي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : « ما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يفسّر من كتاب اللّه إلّا آيا بعدد علّمه إياهنّ جبريل » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : ومعنى هذا الحديث : في مغيبات القرآن ، وتفسير مجمله ، ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من اللّه تعالى ، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم اللّه به كوقت قيام الساعة ونحوه ، ومنها ما يستقرأ من ألفاظه كعدد النفخات في الصور ، وكرتبة خلق السماوات والأرض . ويروى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب اللّه فيتسور عليه برأيه ، دون نظر فيما قال العلماء ، أو اقتضته قوانين العلوم كالنحو ، والأصول ، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته ، والنحاة نحوه ، والفقهاء معانيه ، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر ، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه . وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب ، وعامر الشعبي ، وغيرهما ، يعظمون تفسير القرآن ، ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم ، مع إدراكهم ، وتقدمهم ، وكان جلة من السلف كثير عددهم يفسرونه وهم أبقوا على المسلمين في ذلك رضي اللّه عنهم . فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، ويتلوه عبد اللّه بن العباس رضي اللّه عنهما ، وهو تجرد للأمر وكمله وتتبعه ، وتبعه العلماء عليه ، كمجاهد ، وسعيد بن جبير ، وغيرهما ، والمحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه . وقال ابن عباس : « ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب » . وكان علي بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عباس ويحث على الأخذ عنه . وكان عبد اللّه بن مسعود يقول : « نعم ترجمان القرآن عبد اللّه بن عباس » ، وهو الذي يقول فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم فقهه في الدين » وحسبك بهذه الدعوة . وقال عنه علي بن أبي طالب : « ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق » ، ويتلوه عبد اللّه بن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص ، وكل ما أخذ عن الصحابة فحسن متقدم .